خل بالك من قانون نيوتن
بقلـم داليـا رشـوان
لكل فعل رد فعل مساوي له في المقدار ومعاكس له في الإتجاه
"يعني بالبلدي تيجي تعمل حاجة تلاقيها ضربت في وشك سواء بالخير أو بالشر"
هذا القانون قد لا يراه الناس دقيقا في المعاملات بين البشر خاصة في مسألة تساوي الفعل مع رد الفعل لأن ظاهريا قد يزيد رد الفعل أحيانا وقد ينعدم أحيانا أخرى ولكن هناك اعتبارات كثيرة وعوامل أكثر تحدد هذا المسار. وفي رأيي أن هناك معادلات أخرى في واقع الحياة تتدخل لتصنع هذه المعادلة.
أريد أن أتناول في هذا الموضوع جزئَيْ القانون وهما "الفعل ورد الفعل" ثم "قانون حسابهما":
(1)
الفعل ورد الفعل
رد الفعل هو ما لا يفكر فيه أكثر الناس وذلك بسبب تضخم إرتباطهم بمصلحتهم الشخصية التي تركز أعمالهم ومعاملاتهم داخل بؤرة صغيرة جدا وهي احتياجاتهم النرجسية وتعمي أعينهم عن الحساب الصحيح لأفعالهم من خلال الإهتمام بردود أفعال الآخرين من حولهم مما يوقعهم عمليا فيما يضر بمصلحتهم ولو لم يظهر ذلك إلا على المدى البعيد.
الإهتمام بردود أفعال الآخرين ليس نفاقا، لأن النفاق هو حب جذب انتباه الآخرين دون مبدأ، أما شرائع الإسلام جميعها فهي تهتم بترابط الناس وامتصاص ردود أفعالهم العنيفة ووضع قوانين تتفق مع طبائعهم التي خلقها الله فيهم، ليتحاب الناس ويترابطون فيما بينهم ويكفوا أذاهم عن الآخرين ويكف الآخرين آذاهم عنهم.
والتعامل في المواقف المختلفة بالتركيز على الفعل دون التفكير في رد الفعل ثم الإغراق في الشكوى عند حدوث رد فعل هو عمل سطحي وفي غاية الغباء، ذلك أنك لم تضع نفسك في البداية مكان الآخر لتعرف كيف سيتصرف فتقوم بالفعل المناسب الذي يحصد لك نتيجة جيدة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"
وكأنك يجب أن تلعب دورين في أي علاقة بينك وبين إنسان آخر، أحد الأدوار هو احتياجاتك وحقك والدور الآخر هو أن تتقمص من أمامك وتضع نفسك مكانه لترى ماذا ستقبل وماذا سترفض لو كنت مكانه فتتفهم احتياجاته هو الآخر وتعطيه ما يرضى به في إطار شرع الله. والعلاقة المثالية هي التي يستطيع الإنسان فيها تحقيق التوازن بين كلا الدورين.
تركيزك على الدور الأول الخاص بك فقط يجعلك تقع في أخطاء، على سبيل المثال:
- إذا سَبَبْت شخصا آخر فيجب أن تحسب رد فعله قبل أن تنطق باندفاع، واعتقادك بأنك ستسب الآخرين دون رد فعل اعتقاد يوقعك في دائرة مغلقة من السلوكيات المقيته والنتيجة ليست في صالحك فقد أهنت نفسك في النهاية وخلقت عدوا ولم تصل إلى مرادك.
- إذا عامل المدير موظفيه بظلم وعدوان دون أن يفكر في رد فعلهم وأنه سيكون لهم رد فعل قوي من وراء ظهره بما يؤذيه إذا عرفه وأنه جعل من الجميع أعداء له فإنه قد فشل في هذه الإدارة وسيلاقي إن آجلا أو عاجلا تبعيات هذا الفشل لأن الإدارة ليست فن خَلق الأعداء ولكنها فن إدارة قدرات الآخرين في صالح العمل.
- إذا عامل الزوج زوجته بلامبالاة وركز على إحتياجاته دون النظر إلى احتياجاتها وركز على حقوقه ولم يركز على حقوقها (أو العكس)، فقد دمر حياته الزوجية بدلا من أن ينمي قدرات زوجته على العطاء، وأفقد نفسه بنفسه طريق العودة إلى الحياة التي يرضاها له الله وهي السكن والمودة والرحمة.
وعلى ذلك فإن حساب رد فعل الآخرين ومعايشة ظروفهم وإعطائهم الاعذار ومعاملتهم بما يحبوه هو أساس أي علاقة سليمة بين الناس.
(2)
قانون حساب رد الفعل
الشق الثاني هو مساواة رد الفعل للفعل نفسه بمعنى:
إذا عاملت الآخرين بسوء فسيكون الرد سوء
وإذا عاملتهم بود فسيعاملوك بنفس الود
وإذا فعلت معروفا فسيرد لك
وهنا سنجد اعتراضات كثيرة فسيقول الجميع كثيرا ما نفعل خيرا ويُرد لنا شرا، وعلى ذلك فإن رد الفعل قد لا يأتي مساويا للفعل ولا أقل منه بل أحيانا يأتي بالسالب أي بعدوان، بمعنى أنك تفعل خيرا فيستغلك الآخرين أو يؤذونك.
قانون الفعل ورد الفعل الحقيقي في واقع حياتنا ومعاملاتنا لا ينطبق عليه قانون نيوتن إلا في حالتين، الحالة الأولى أن يكون الفعل سلبي مسئ للأخرين: مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا ۖ..... (40) – غافر،
والثانية أن يكون الفعل طيب ولكنه لا يصدر عن إخلاص لله أو إيمان به: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (16) – هود،
أما إذا كان الفعل إيجابي يحمل النية لله فإن القانون يتغير ليصبح رد الفعل على الأقل عشرة أضعاف الفعل والله يضاعف لمن يشاء: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (160) – الأنعام
مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا ۖ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40) – غافر
إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40) – النساء
والسؤال هنا إذا كانت هذه هي القيمة الحقيقية لرد الفعل الإيجابي فلماذا لا يلحظه عامة الناس وأكثرهم يتذمرون؟
والرد هو أن القصور هنا ليس في القانون بل هو في إدراك جهة الرد، فقد أفعل صالحا لإنسان وأنا انتظر منه أن يرد لي ما فعلت له فيكون رده أنه يسئ لي. ولكن قانون رد الفعل لم يصدر عن إنسان ولكن هو وعد من الله: أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (55) – يونس / وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (122) – النساء
فإذا أردت رد الفعل فيجب أن تنتظره ممن وعدك به
وعلى ذلك فإن عدم ظهور رد الفعل لك يأتي من انتظارك له في اتجاه محدد ولكنه يأتي في اتجاهات أخرى أنفع لك من الجهة التي فعلت فيها المعروف فإذا وقفت للحظة وبحثت في حياتك لوجدت أجرك قد ُرد لك أضعافا، هذا من جهة أما من جهة أخرى فإن الإنسان إذا حدثت له مصيبة تلهى فيها ولم يعبأ بكثير من النعم التي أخذها مقابل مصيبة واحدة يصبر عليها، فيعيش هذه المصيبة ويجعلها تطغى على حياته وكأنه الإنسان الوحيد المصاب بدلا من أن يلتفت إلى النعم فيستخدمها ويشكرها فيزيده الله منها أو يكفرها فتزول بقانون : وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7) - ابراهيم
وقد تتعامل مع ما جاءك من النعم على أنه أمر طبيعي لا يمت بصلة لأحداث أخرى صبرت عليها وفي الحقيقة أن هذه النعم ما كانت لتأتي إليك لولا أن إبتلاك الله ولكنك لم تربط هذه النعمة بالإبتلاء وظللت تتذمر من أن المصائب تنزل عليك بدون أي مقابل لصبرك.
وتجد الرسل والأنبياء وقد اجتمعوا في آيات كثيرة على أن أجرهم على الله. هذه جملة يقولها البعض كنوع من التكرار دون وعي بمعناها الحقيقي، ولكن على أرض الواقع الأجر من الله أكبر بكثير من أجر الناس، وذلك لأن الله هو الذي يعلم القيمة الحقيقية لفعلك فقد تفعل شيئا صغيرا ولكن بنية خالصة فتكون عند الله أكبر من أفعال كثيرة أكبر بكثير، أو قد تفعل فعلا عظيما لإنسان دون أن يعرف هو شخصيا ما فعلت ولا تستطيع أن تخبره به ولكن الله يعلم ويأجرك عليه، كما أنه سبحانه هو وحده الذي يملك القدرة المطلقة على إعطاءك ما وعدك وهو عز وجل لا ينسى حتى إذا نسيت أنت، لذا فأعمالك محفوظة وسترد لك في أمان تام.
وإذا عدنا للفعل المسيء للآخرين وقانون رد الفعل المتساوي للفعل وأضفنا أن جهة رد الفعل هي الله سبحانه وتعالى فعلى ذلك يجب أن نحذر من أي شئ نفعله لأن رد الفعل قد يأتي من أي إتجاه "ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين" ولن تملك أسباب دفع الضرر عن نفسك فهذه هي سنة الله في الأرض لا يملك أسبابها غيره فافعل كما شئت وانتظر رد الفعل فإنه آتي لا محالة بنفس قوة الفعل.
فإذا اغتبت أو نممت أو كذبت فسترد عليك، وإذا خضت في الأعراض خاض الناس في عرضك وإذا اكتسبت مالا من حرام فانتظر الرد في مالك أو صحتك أو في أبنائك وهكذا أنت لست في مأمن من الله مهما حاولت أن تخدع الناس.
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99) – الأعراف
أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (45) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (46) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (47) - النحل
هذا في الدنيا وأما في الآخرة فإن الجنة كجزاء للمحسنين في الدنيا هي أجر أكبر بكثير من الفعل لذا أول ما يفعله المؤمن أنه يندم على أنه لم يفعل المزيد والخلود في عذاب جهنم أكبر بكثير من ما يظنه الإنسان أنه توفير للجهد والمشقة في صورة الإعراض عن الصبر عن المعاصي والصبر على الطاعات والإمتثال لأوامر الله.
وعلى ذلك فإن المنطق العام يوضح أن الإحسان في الدنيا مكاسبه ومردوده على الإنسان أكبر بكثير من الإساءة لذا فإن المسئ لا يبحث عن مصلحته وإنما يغرق نفسه بأيديه ويدمر حياته ويزيد على نفسه عبء المعيشة الضنك التي وعده الله إياها في الدنيا قبل الآخرة، فيأخذ ما أخذ ويعيش في كآبة وهموم ما لها من نهاية.
وفي النهاية أود التأكيد على أن أهم ما يجب الإلتفات إليه هو الفعل ورد الفعل والتعامل معهما على المستوى الحقيقي، المستوى الذي لا ينكره أحد، مستوى السنن والقواعد التي وضعها لنا خالقنا سبحانه لنحيا بها.